العيني
107
عمدة القاري
وفي ( الجامع ) : الميسم : الحديدة التي يوسم بها ، والجمع : مواسم ، وأصل ميسم : موسم ، قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها ، وهذه قاعدة مطردة ، ولم يبين في هذه الرواية الموضع الذي كان صلى الله عليه وسلم يسم فيه إبل الصدقة ، وبيَّن ذلك في رواية أخرى فإذا هو في مربد الغنم . ذكر ما يستفاد منه فيه : إباحة الكي في الحيوان . وقال قوم من الشافعية : الكي مستحب في نعم الزكاة والجزية وجائز في غيرها ، والمستحب أن يسم الغنم في آذانها والإبل والبقر في أصول أفخاذها ، وفي رواية لأحمد وابن ماجة : يسم الغنم في آذانها ، ووسم الآدمي حرام ، وغير الآدمي في الوجه منهي عنه ، وفائدته تمييز الحيوان بعضه من بعض ، وليرده من أخذه ومن التقطه يعرّفه ، وإذا تصدق به لا يعود إليه ، ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة : زكاة أو صدقة ، ونقل ابن الصباغ وغيره إجماع الصحابة على ذلك ، وقال بعضهم : وفي حديث الباب حجة على من كره الوسم من الحنفية بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة ، وقد ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل على أنه مخصوص من العموم المذكور للحاجة ، كالختان في الآدمي . قلت : ذكر أصحابنا في كتبهم : لا بأس بكي البهائم للعلامة ، لأن فيه منفعة ، وكذا لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم ، لأن ذاك مداواة . وقال المهلب وغيره في هذا الحديث : إن للإمام أن يتخذ مبسما وليس للناس أن يتخذوا نظيره . وهو كالخاتم . وفيه : اعتناء الإمام بأموال الصدقة وتوليها بنفسه . وفيه : جواز إيلام الحيوان للحاجة . وفيه : قصد أهل الفضل والصلاح لتحنيك المولود لأجل البركة . وفيه : مباشرة أعمال المهنة وترك الاستطابة فيها للرغبة في زيادة الأجر ونفي الكبر . بِسْمِ الله الرحمان الرَّحِيم ( ( أبْوَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ ) ) أي : هذه أبواب صدقة الفطر ، وفي بعض النسخ : صدقة الفطر ، بدون قوله : أبواب ، والتقدير فيه أيضا : أبواب صدقة الفطر ، أو : باب صدقة الفطر ، وإضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى شرطه ، كحجة الإسلام . وقيل : أضيفت الصدقة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان ، وقال ابن قتيبة : المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس ، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة ، والأول أظهر ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق الحديث : ( زكاة الفطر من رمضان ) ثم أعلم أن هذا الباب يحتاج إلى خمسة عشرة معرفة . الأولى : معرفة صدقة الفطر لغة وشرعا . فقال النووي : هي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة بل هي اصطلاحية للفقهاء . كأنها من الفطرة التي هي النفوس والخلقة . أي : زكاة الخلقة ، ذكرها صاحب ( الحاوي ) والمنذري . قلت : ولو قيل : لفظة إسلامية كان ولى لأنها ما عرفت إلاَّ في الإسلام ، ويؤيد هذا ما ذكره ابن العربي : هو اسمها على لسان صاحب الشرع ، ويقال لها : صدقة الفطر وزكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم ، وفي حديث ابن عباس ، صدقة الصوم ، وفي حديث أبي هريرة : ( صدقة رمضان ) ، وتسمى أيضا صدقة الرؤوس وزكاة الأبدان سماها الإمام مالك ، رحمه الله تعالى ، أما شرعا فإنها اسم لما يعطى من المال بطريق الصلة ترحما مقدرا ، بخلاف الهبة فإنها تعطى صلة تكرما لا ترحما ، ذكره في ( المحيط ) . الثانية : معرفة وجوبها ، فبأحاديث الباب على ما سيأتي إن شاء الله تعالى . الثالثة : معرفة سبب وجوبها ، فهو رأس يمونه مؤونة تامة ويلي عليه ولاية تامة لما في الحديث : ( عمن تمونون ) . الرابعة : معرفة شرط وجوبها ، فالإسلام والحرية والغنى على ما يأتي بالخلاف فيه . الخامسة : معرفة ركنها ، فالتمليك . السادس : معرفة شرط جوازها بكون المصرف إليه فقيرا . السابعة : معرفة من تجب عليه ، فتجب على الأب عن أولاده الصغار الفقراء ، وعلى السيد عن عبده ومدبره ومدبرته وأم ولده . الثامنة : معرفة الذي تجب من أجله ، فأولاده الصغار ومماليكه للخدمة دون مكاتبه وزوجته . التاسعة : معرفة مقدار الواجب فيها ، فنصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . العاشرة : معرفة الكيل الذي تجب به ، فهو الصاع ، وسنذكر الاختلاف فيه . الحادية عشرة : معرفة وقت وجوبها ، فوقته طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر ، وفيه